الأربعاء، 9 مايو، 2012

تفكير هادئ ... في مقال الشنقيطي بقلم يحظيه محمد عالي ببات



قرأت مقال الدكتور الشنقيطي حول "قصة العبودية في كتب الفقه المالكي" فأعجبتني لفتته إلى أخذ العبرة من سابقة حرق الكتب، ذات الدلالة الخطيرة على مستقبل الدين وانسجام المجتمع، ودعوته إلى التفكير بهدوء في الموضوع دون إشعال أو انفعال، وما كنت أحسبه سيتحدث إلا عن خروقات سافرة للدين والخلق تتخفى وراء الدفاع عن الحقوق والقضايا العادلة، أو عن ممارسات مُهينة تتترس وراء نصوص فقهية، وهي منها براء، غير أن المفاجأة كانت عندما وجدته يتحدث عن "التفاف الفقهاء على مسألة المكاتبة لتحرير الرقيق، ورفضهم المساواة بين الحر والعبد في حق الحياة الذي هو أصل كل الحقوق وأقدسها" .

والمفاجأة الثانية هي تخصيص المالكية بهذا "الالتفاف" و"التمييع" للنصوص الشرعية لتلائم رغباتهم الشخصية !! وهو ما جعلني أتساءل عن موقف غيرهم من المذاهب والأئمة الذين زخر بهم التاريخ الإسلامي، وما عُرفوا أبدا بمحاباة ذي سلطة أو منعة فيما يرونه حقا، فضلا عن فقيه لا حول له ولا قوة .
والمفاجأة الثالثة هي أن الشنقيطي، وهو يغوص ويدعو للغوص في جذور المشكلة الفقهية والتاريخية، لم يتجاوز القرن الخامس عندما رجع إلى الفقهاء، ولا القرن العشرين عندما عاد إلى المفسرين، حيث ذهب الدكتور ينقب في الزمان والمكان عما سيعضد من قوله ــ وله الحق ــ إلى أن عثر في القرن الخامس في الأندلس على ابن حزم، ذي الاتجاه الظاهري في التعامل مع النصوص، وفي القرن العشرين على رشيد رضا ذي الاتجاه العقلي في التعامل مع التفسير، ولا أدري ــ والرجل يحمل المالكية وزرا بهذا القدر، ويرفع عليهم دعوى بهذه العظمة، لِمَ لم يرد عليهم بأقوال الصحابة والتابعين أو بأحد المذاهب الثلاثة المشهورة والمقبولة على مر التاريخ، أو يشير إلى اتفاقهم معهم في هذا الخطأ الفادح، فتهون عليهم المصيبة !!
أبدأ بالاستشهاد بالآية الكريمة التي استشهد بها الأستاذ، وهي قوله تعالى : { فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً } وأنبه ـ قبل عرض أقوال بعض الفسرين فيها ـ إلى مغالطة أوردها الدكتور، وهي قوله: إن الخيار الثالث فقط هو الاسترقاق، مع أن سياق الآية، يدل على أن الخيار الثالث هو القتل، وليس الاسترقاق، قال تعالى : { فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا}
وبما أن الدكتور يدعو للتفكير الهادئ في الموضوع، فلا أعتقد أنه من التفكير الهادئ أن نتجاوز ثلاثة عشر قرنا من المفسرين على اختلاف مشاربهم وتعدد مذاهبهم واتجاهاتهم، في قضية عايشوها وعاصروها، لنستشهد برشيد رضا وننسى أن أقواله ـ هو الآخر ـ إنما هي نتيجة قهر اجتماعي وسياق إقليمي، وظرف دولي، ونزعة نفسية تقدم العقل البشري على النصوص الصحيحة ،( عد للاطلاع على حقيقة تفسير رشيد رضا لكتاب "التفسير والمفسرون" للدكتور محمد حسين الذهبي 2/ 422 )
سأكتفي ـ لضيق المقام ـ بعرض نماذج من المدرستين الرئستين في التفسير : مدرسة الأثر ومدرسة الرأي، لنرى كيف تعاملوا مع الآية الكريمة التي استدل بها الأستاذ.
أ ــ مدرسة التفسير بالمأثور :
1 ـ تفسير الطبري : بعد أن أفاض في الحديث حول اختلاف العلماء في آية : {فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ..} هل هي منسوخة أم لا بآية القتل : "فإذا انسلخ الأشهر الحرم" يذكر أن عمر بن عبد العزيز ما قتل إلا أسيرا واحدا وقد قيل له إنه أثخن في المسلمين، وقد أمر برفاقه أن "يُسترقوا".(22/155) والشاهد هنا استرقاق عمر بن عبد العزيز لأسرى الترك الذين جيء بهم، ورواية الطبري له، وقد قال عنه شيخ الإسلام ابن تيمية "وأما التفاسير التي في أيدي الناس فأصحها تفسير محمد بن جرير الطبري، فإنه يذكر مقالات السلف بالروايات الثابتة، وليس فيه بدعة، ولا ينقل عن المتهمين" مجموع الفتاوى الكبرى (13/385 ) .
2 ـ تفسير ابن كثيرـ بعد أن تحدث عن الآية واختلاف العلماء حول نسخها من عدمه وحول الخيار الثالث، وهو القتل وجوازه ـ يقول : وزاد الشافعي رحمه الله فقال : الإمام مخير بين قتله أو المن عليه أو مفاداته أو استرقاقه (7/303) .
ب ــ مدرسة الرأي :
1ـ تفسير الزمخشري : يقول في تفسير هذه الآية : فإن قلت : كيف حكم أسارى المشركين؟ قلت : أمّا عند أبي حنيفة وأصحابه فأحد أمرين : إمّا قتلهم وإمّا استرقاقهم، أيهما رأى الإمام ، ويقولون في المنّ والفداء المذكورين في الآية : نزل ذلك في يوم بدر ثم نسخ . وعن مجاهد : ليس اليوم منّ ولا فداء ، وإنما هو الإسلام أو ضرب العنق . ويجوز أن يراد بالمنّ : أن يمنّ عليهم بترك القتل ويُسترقوا . أو يمنّ عليهم فيخلوا لقبولهم الجزية ، وكونهم من أهل الذمة (6/315) .
2 ــ تفسير الفخر الرازي: يقول في تفسير هذه الآية ( إما ) وإنما للحصر وحالهم بعد الأسر غير منحصر في الأمرين ، بل يجوز القتل والاسترقاق والمن والفداء(14/80).
وأما قضية المكاتبة فقد اختلف فيها الفقهاء، وليس المالكية وحدهم وأكثرهم على أنها ليست واجبة، وممن قال بعدم الوجوب الحسن البصري وسفيان الثوري والشعبي ومالك بن أنس، والشافعي وأصحاب الرأي رضي الله عنهم.
وقد ذكر ابن قدامة أن قول عمر ( الذي استدل به ابن حزم ) يخالف فعل أنس ( المغني لابن قدامة (10/366)
وذكر ابن عبد البر أنه " يحتمل أن يكون فعل عمر لأنس على الاختيارِ والاستحسان لَا عَلَى الْوُجُوبِ " (التمهيد لابن عبد البر (22/168)
ونص الكاساني على أن قول داوود الظاهري ( سلف ابن حزم ) بوجوب الكتابة مخالف للإجماع ( بدائع الصنائع للكاساني (4/134).
وأما القول بحرية المكاتب بمجرد العقد فليت شعري كيف ذكره الكاتب دون أن يشير إلى القائل به ، مع أن شيخه ابن حزم لم يقل به رغم ذكره له، فقد رأى أن المكاتب عبد مالم يؤد فإن أدى شيء من كتابته فقد شرع فيه العتق والحرية بقدر ما أدى وبقي سائره مملوكا، وصحح عن ابن عمر وعائشة وزيد بن ثابت وطائفة من التابعين وجمهور الفقهاء أن المكاتب عبد ما بقي عليه درهم ( المحلى 8/226ــ229)
وبدل أن يناقش الأستاذ أدلة الفقهاء والخلاف الأصولي حول مطلق الوجوب في الأمر من عدمه، ويأخذ منها ويرد، يحكم بجرة قلم على هذا الجم الغفير من العلماء والمجددين بالالتفاف على الشريعة وتمييع قضاياها، وكأنهم مجرد ابراغماتيين انتهازيين لا هم لديهم سوى ما يحقق مآربهم الشخصية !!
وأما قضية القتل فليت شعري لِمَ لم يتحدث عن الجانب الآخر من الحدود أم أن النصوص صريحة في التفريق بين الحر والعبد فيه؟ وإن كان مأخذه على مبدأ التفريق بين الحر والعبد فلِمَ لمْ يعترض بصراحة على القرءان والسنة المتواترة وإجماع الأمة على التفريق بينهما في أبواب كثيرة من الأحكام .
أما كان أجدى بالأستاذ أن يعرض أدلة الفقهاء ويناقشها ويبين مكمن الخطأ فيها، بدل أن يرميهم بأقذع العبارات وأبشع الأوصاف !!
لا أريد أن أقترض من الأستاذ الشنقيطي بعض مصطلحاته التي يخاطب بها أولئك الأئمة، فليس ذلك من الحجج العلمية ولا هو من مقتضى التوجيهات الخلقية، وبالطبع بعيد من التربية الشنقيطية، ولكني أقول إذا كان إحراق الكتب التي هي خارجة عن سياق القضية جملة وتفصيلا لا ينبغي أن يشتغل به عاقل فضلا عن مسلم ـ كما جاء في بيان شيخنا الشيخ محمد الحسن حفظه الله ـ فإن الهجوم كذلك على أئمة هذا الدين وعلمائه ورميهم بالفشل الذريع والالتفاف على قضايا الدين ومناقضة مبادئه والتلاعب بنصوصه وتمييع مسائله لا يعقل أن يشتغل به ـ كذلك ـ عاقل فضلا عن مسلم .
يبقى أن نشير إلى أننا نخشى أن يتحول الحديث من الرد على ممارسات مرفوضة بعيدة تمام البعد عن تعاليم الشريعة وروح الدين، تقع في المنكب البرزخي باسم الدين، والدين منها براء، إلى الرد على الدين نفسه، ومحاولة تصميمه على مقاسات لا تتناسب مع حجمه، بقصد أو بغير قصد .

0 التعليقات:

إرسال تعليق