السبت، 12 مايو، 2012

الثورة العجوز .../بقلم الأستاذ سيد محمد بن اميس




قبل أيام وأنا أطالع موقع "الأخبار" لفت انتباهي مقال للدكتور محمد المختار الشنقيطي؛ فشعرت بنشوة وارتياح فأنا من الشباب المعجبين بهذا الرجل؛ تعجبني لغته الثورية، ومصطلحاته الحادة، وفكره المتحرر، وتكاد تكون هذه الثلاثة خصائص تحكم كلما يكتبه هذا الشاب المهجري، فلا تزال مصطلحاته مثل الوثنية السياسية، والفكر المرهق، وغيرها من المصطلحات ترن في أذني.
 لكن المفاجئة كانت تنتظرني عندما أتعرف على مضمون هذا المقال، فأنا كنت أتوقع من رجل بهذا الحجم يعلق على حدث بهذا الحجم (محرقة بيرام) أن يقف إلى جانب الكتاب الذي طالما نهل منه صاحبنا، لأن حرق أي كتاب ببساطة يعني إعدام العلم من ناحية، ويعني رفض الرأي الآخر من ناحية أخرى، وهي مواقف خاطئة بكل المقاييس وخاصة في الفكر الحداثي الذي يغزو صاحبنا من الداخل ويؤمن به أكثر من اللازم، هذا في شأن حرق أي كتاب، أما إذا كان الكتاب فقهيا فإن الخطأ يكون أعظم، ولكنني فوجئت بالدكتور يقرأ الحدث قراءة غريبة، ويعيد إنتاج معركة تم تجاوزها منذ زمان، ولاكتها الألسن وتجاوزها التاريخ، فمسألة العبودية في الإسلام، أو الرق في المنظور الفقهي، تم تجاوزها تاريخيا وخمدت نارها منذ زمن، ولا نريد هنا أن نأتي بكلام مكرور، فالجميع يعرف أن مبدأ العبودية يتناقض مع أهم مقاصد الإسلام وهو تعبيد الناس لخالقهم، فتعبيد الناس لغير الخالق يتنافى مع هذا المقصد، ولكن الإسلام أيضا واقعي وقد وجد هذه الظاهرة متجذرة فكان لا بد أن يتعامل مع الواقع، فأول ما قام به هو أن جعل للأرقاء حقوقا على أسيادهم (أطعموهم مما تطعمون، واكسوهم مما تلبسون، ولا تكلفوهم ما لا يطيقون، فإن كلفتموهم فأعينوهم) وهي حقوق تشير إلى الندية والمساواة في البشرية، فهي إذا رسالة بعث بها الإسلام إلى الأسياد، كما ضيق الأبواب أمام زيادة عدد المماليك، وفتح الباب على مصراعيه للخروج من هذه الظاهرة، ولن نقدم أمثلة على تشوف الإسلام إلى الحرية، فهي كثيرة ويعرفها الجميع.
 فالغريب هو أن يعيد الدكتور إنتاجها من جديد، ويحاكم التاريخ والفقهاء في تاريخ غير مناسب، لا إلى الكتاب والسنة ولكن إلى الفكر الثوري، مما جعلني أعنون هذا المقال بالثورة العجوز، ولن أناقش الدكتور في آرائه لأنني لست أهلا لذلك، ولكنني أذكره بأننا نحتاج إلى ثورة من نوع آخر، ثورة تقنع المواطن العربي بأنه موجود، وأن له صوتا يجب أن يسمعه الجميع، فنحن لدينا أزمة حقيقية؛ إنها أزمة الشعور بالوجود، فلدينا مواطنون لا يدركون أنهم موجودون قدرا، وأنهم جزء من مكونات هذا الوطن، لهم حقوق يجب أن يطالبوا بها وعليهم واجبات يجب أن يقوموا بها، كما يجب أن يكون لهم دور في توجيه السياسات العامة لبلدهم، فنحن نرى انفصاما تاما في الدول العربية - قبل الربيع طبعا - بين توجهات الدولة وتوجهات الشعب، وبالتالي فنحن نحتاج إلى ثورة داخل كل فرد عربي، يجب أن يكون الدكتور وأمثاله وقودا لها، ولا نحتاج إلى ثورة تعتقلنا في أدغال التاريخ، وتسلب كتبنا الدينية مكانتها، لتكون موضوعا للأخذ والرد لكل من هب ودب، كما حصل بعد مقال الدكتور، وهي لعمري محرقة معنوية أشد خطرا من المحرقة الحسية التي قام بها بيرام.

0 التعليقات:

إرسال تعليق