الجمعة، 11 مايو، 2012

نَحْوُ الأمية ......../ محمد بن زروق



ليس الأمر مجرد وحي خيال كاتب موهوب  ولا هو محض تلبيس سياسي ماكر وما كان حديثا  مفترى لكنها قصة واقعية عشتها بكل مرارة وأسى وأرجو أن أوفق في نقلها بأمانة.

ففي أحد أيام نيسان وحين كنت ذات صباح باكر أجلس أمام صيدلية في إحدى عواصم الفقر بمثلث الأمل المفقود وقعت عيني على فتاة تجلس أمام الصيدلية المغلقة كعادة  الصيدليات في المنطقة حيث تقتصر مدة خدمتها على ما يناهز 12 ساعة من النهار فقط ليكون مصير مريض مكلوم حصل على وصفة طبية بعد غروب الشمس هو فقط انتظار الفجر أو الموت.
اقتربت من الفتاة سألتها بانكسار هل تنتظرين الصيدلية؟  أرجو أن لا يكون عندك مريض! أجابتني : لا,  ألححت عليها في السؤال لأن طرف السوق الذي توجد فيه الصيدلية يبدو موحشا والوقت ما زال مبكرا, أعدت عليها السؤال لكنها أخيرا أجابتني : أنتظر شخصا يأتيني هنا. كانت إجابتها هذه المرة بمثابة بلسم خفف عن نفسي وقع القلق من أن تكون لها وضعية تحتاج المساعدة.
أخذت مكاني جنب الصيدلية وبدأت أرمق الفتاة من حين لآخر وبعد فترة سألتني : هل تعرف فلانا؟ قلت لها : نعم, قالت : هل يأتي عادة في هذا الوقت؟ أجبتها نعم ثم أردفت : خيرا إن شاء الله !!! قالت الفتاة : أنا من أهل " نحو الأمية"  آه هذا جميل أنت تتعلمين في أحد أقسام محو الأمية , هذا مهم فالمرء يجب أن يتعلم لكي يحيى ويعيش.
ردت الفتاة أنا من المدرسين فيها وقيل لنا إن "جمعية" ستعقد هنا, حاولت الاستفسار أكثر لكن المسكينة لم تكن سوى إحدى السائرات على نحو الأمية وحينها أيضا فهمت أن حكومتنا الموقرة ومن ورائها جنرالنا المغمور مصممون على السير حثيثا بالبلد كله في ذات " النحو"
علمت حينها أن إغلاق المعهد العالي وتجفيف منابع العلم والتعلم وعسكرة الجامعة والتنكيل بالطلاب وسحل الطالبات و التهور والارتباك في تسيير الشأن التعليمي  وأخيرا مؤامرة المحرقة كل ذلك يسير في نفس النحو " نحو الأمية"
وحينها أيضا علمت أن سياسة القمع والتنكيل وتكميم الأفواه مجرد زقاق يؤدي للأمية السياسية وأن كل ذلك يرجع في الأساس إلى كون كل إناء بما فيه يرشح, فالرئيس الميكانيكي لا يمكن أن يعالج الأمور بلين لأنه اعتاد معالجة الحديد الصلب وظن الرأي يعالج بنفس الطريقة فحشد الكلاب البوليسية وسيارات الإطفاء والمدافع الثقيلة و مئات الأفراد لقمع من يطالبون بالإصلاح والتغيير.
وقبل كل ذلك فهمت كيف أقصي عدد كبير من مدرسي محو الأمية الفقراء من مهزلة قادها منسق محو الأمية في ولاية لعصابه منح خلالها في بعض الأحيان قسمين لمدرس واحد حسب المستبعدين فيما لعبت الزبونية دورها ككل مشاريع الإعلام التي ينفذها وزراء عزيز  والسبب في كل ذلك هو الطريق السالك " نحو الأمية".
علمت أيضا كيف بقيت أقسام الباكلوريا العلمية بثانوية كنكوصه أغلب أوقات العام بدون أستاذ للفيزياء لأن شخصا له مصالح وارتباطات في روصو وكيف ظلت أغلب الحجرات في إحدى أكبر المدارس الابتدائية بالمدينة مغلقة لأن بعض المعلمات فضلن الهجرة إلى انواكشوط للاصطياف ووفرت لهم جهات صحية هناك مبررات للالتفاف والتحايل.
هو إذن "نحو الأمية"  يسير عليه البلد المختطف بكل قطاعاته ومصالحه وإداراته ليبقى الحكم للفرد وزبانيته على حساب الأمة والشعب ومصالحه.

0 التعليقات:

إرسال تعليق